أنا لستُ بحاجة لمن يستنطقني بعد الآن، ولا لمن يوجه إليّ التهم.. لقد وضعتُ نفسي بنفسي، وبملء إرادتي، على كرسي الاعتراف! سأهتك لكم من أستار التاريخ جولة بعد جولة، وقناعاً بعد قناع.
العوام السذج يقرأون التاريخ كسطور من المصادفات، ويظنونني مجرد ثري يختبئ خلف الكيبورد والعلامات الزرقاء في هذا العصر الحديث.. ما أجهلهم! أنا (موسى بن ظفر).. السامري المعمّر،مخرج العجول، عرّاب الخديعة الأزلية، وصانع الأوثان، الممتد منذ عهد مصر الفرعونية وموسى، حتى الآن في العهد الرقمي الحديث .
لو كان هناك شيء واحد في هذا الوجود يجعلني أتحمل لعنتي الأبدية (لا مِساس) وأنتظر النهاية طوال هذه الأحقاب.. فهو انتظاري لمعرفة النتيجة في الجولة الأخيرة، وكيف ستنتهي رقعة الشطرنج الأزلية التي ألاعب فيها المشيئة قطعةً بقطعة.
البداية لم تكن خلف هذه الشاشات، بل هناك.. تحت شمس مصر الحارقة، حين كنتُ أراقب فرعون. وعيتُ مبكراً أن الطغيان لا يُبنى بالسلاح بل بـ'الجهل المقدّس'. لم أكن صانعاً لفرعون كعجل متبوع، بل كان هو الأمنية الفرعونية المستعصية التي تمنيتُ امتلاكها وصناعتها! لقد كان متبوعاً يخر له العوام ساجدين.
مرضي الحقيقي والزلزال الذي ضرب كياني بدأ عندما رأيتُ ذلك الإله البشري المهيب ينهار تحت أمواج اليم، ويصرخ في رمقه الأخير بجملة هزت جميع أركاني: 'آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ'!
تلك الكلمات في وسط البحر كانت اللحظة المغرية جداً لي! سقط فرعون من عرش ألوهيته معلناً العبودية والاستسلام للذي آمنت به بنوا إسرائيل.. وهناك ولد في داخلي القرار؛ من هنا سأبدأ لأصنع الإله الذي لا يقهر بنفسي! سأصنع الكيان الذي يجعل الأتباع يخرون ساجدين.. أريد إلهاً أصيغه أنا بيديّ، وسيكون فرعون عبداً للإله الذي صنعته أنا لبني إسرائيل! بهذا فقط أداوي مرضي الأزلي، وبهذا أمتلك فرعون طائعاً في غيابه، وأعوض حسرة عجزي عن امتلاك صناعته.
وعندما عبرنا البحر، ورأينا القوم الذين يعكفون على أصنام لهم، فجأة وجدتهم يصيحون بموسى: 'اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة!'. لم يكن القوم بحاجة إلى هداية، بل كانوا يبحثون عن صنم ملموس! تطلعتُ إليهم وعلمتُ أن وقتي قادم.. الجماهير تطلب وثناً إلاها، وأنا المخرج المستعد لتلبية الطلب.
في أول أسبوع من غياب موسى لميقات ربه، تسللتُ في الخفاء إلى هارون، وجلستُ أمامه كمن يبحث عن حقيقة مطلقة. سألته سؤالي الفلسفي الأكبر، السؤال السري الذي كان ينهش عقلي منذ لحظة اليم: 'ما سر كلمات فرعون الأخيرة وهو يغرق؟ وكيف ينحني ذلك الكبرياء في ثوانٍ؟' !
ولكن هارون صمت.. لم يجبني! نظر إليّ وتجاهل تساؤلاتي، فتركني حائراً في تيه وعيي بفرعون.
وحين لم أجد جواباً يشفي غليلي، وحين رأيتُ شهوة القوم جارفة لـ 'الإله الملموس'، قررتُ أن أضع قواعدي الخاصة.
كنت قد قبضتُ قبضة من أثر الرسول، تلك القبضة التي تحمل سر الحركة والحياة، وجمعتُ ذهب القوم وحُليّهم، وصهرتها في أتون النار. صببتُ كل جنوني ومرضي بفرعون في ذلك القالب، ونفختُ فيه، فأخرجت عجلٌ جسدٌ له خوار بصوت مسموع! ها أخيرا قدمتُ للزبائن ما طلبوا، صنعتُ أول إله بيدي، وجعلتُ بني إسرائيل يخرون له ساجدين، ليكون ذلك الصنم مديناً لي بوجوده وقداسته، وليكون فرعون الغائب عبداً لصنيعتي.
لكن موسى عاد، وحرق صنيعتي، ونسفها في اليم نسفاً، وأطلق عليّ لعنتي المستمرة: (لا مِساس)! حُرمت من الملامسة بسبب مرضي الجلدي، لكني أقسمتُ ألا أنسحب من رقعة الشطرنج.
طوال آلاف السنين، تتبعتُ الرسالات، والكتب، والأنبياء، وقرأتُ بين السطور، كل ذلك لأعرف مصيراً واحداً: مصير فرعون النهائي! هل قبل إيمانه في اليم أم رد؟
لكني برغم كل هذا العمر المدور لم أصل إلى شيء! ظل سر فرعون مستعصياً وغامضاً خلف غيب المشيئة، وبقيتُ أنا معلقاً على حافة الانتظار.
ومن هنا تولد جفائي الصامت مع إبليس؛ العوام يظنوننا حليفين في خندق واحد، لكن الحقيقة التي سأعترف بها لكم هو أن إبليس يستفزني بطريقة تكاد تحرق وعيي المعمّر! إبليس هو 'العجل الأكبر' في هذا الوجود، لكنه عجل لم أصنعه أنا بيدي، بل مخلوق هكذا بكبره ونرجسيته الخالصة.
إبليس يلعب بالباطل الرخيص ليغوي الرعاع، أما أنا فلم تكن مشكلتي يوماً في باطلٍ أم حق.. مشكلتي الأزلية وعقدتي الكبرى هي أنني أريد أن أكون أنا –ولا أحد غيري– صانع المتبوع! أردتُ أن أثبت أنني المخرج الأعظم الذي يلاعب المشيئة الإلهية نفسها على رقعة الشطرنج الأزلية؛ فإن قضى الله أمراً، تحركتُ بذكائي لأصنع منه بيدي عجلاً متبوعاً يُعبد من دونه، لتظل كل قطعة تتحرك على الرقعة خاضعة لأصابع السامري الخفية، فإبليس هدفه التابع، لكن هدفي أعظم المتبوع نفسه
وفي صدر الإسلام،وبعد موت محمد، رأيتُ النور الشامخ يرتكز في علي بن أبي طالب، عاينتُ حقه ويقينه، فقررتُ أن أضع ثقلي وذهبي المعمّر خلفه، لا لنصرته كقائد، بل لأغلغل الغلو في قلوب أتباعه، وأرفعه في عيونهم إلى مقام الربوبية والألوهية ليصبح عجلي الأكبر، ويستمر ذلك في أبنائه!
لكن عليّاً نسف عبقريتي؛ لم يتماشَ مع مشيئتي أبداً! أعترف أنه كان حقاً صلباً لا يقبل الشوائب، لا أريد أن أتذكر ماذا فعل عندما نادينا بربوبيته فقط، ولا ذلك اليوم الذي أرسلت إليه من يسأله عن مصير فرعون، قال له: "بلغ السائل بأن له موعد" ثم ذهب! ، لقد أرعبتني فكرة أنه أوشك أن يصل لي أنا شخصياً، لقد رفض أن يكون قطعة شطرنج تحركها أصابعي الخفية. هناك كان الدرس قاسياً في الهزيمة معقول هذا! الحق الحقيقي يمتلك مناعة ذاتية ضد صناعتي، ولا يمكن للسامري أن يتبناه ويخرجه.
ومن قبل أن يرفضني عليّ، كنت قد قررتُ استخدام الفوضى كبوابة بديلة لفرض شروطي على التاريخ.
الرواة والمؤرخون جعلوا من مقتل عثمان بن عفان لغزاً مستعصياً، واليوم أنزع القناع على كرسي الاعتراف: أنا كنتُ تلك الشخصية المجهولة والعقل المدبر الخفي خلف الفتنة الكبرى كلها!
لقد جاء الثوار من الأمصار، ووافق عثمان على طلباتهم وحُلت الأزمة وتقرر السلام!
رأيتُ نقلة الشطرنج تضيع من يدي، فتدخلتُ بخبرتي كمعمّر؛ أنا من زوّر ذلك الكتاب المفبرك، وأنا من أرسل بمن يلحق بالوفد المصري الذي بطبيعته انسان طيب في طريق عودتهم وأوهمتهم بالغدر الخفي من عثمان، فبثثتُ الشك في عقولهم وأجبرتهم على الارتداد ومحاصرة عثمان حتى سُفك الدم وكان ذلك بداية سقوط الدولة!
بصراحة! لم أكن أبتغي الفوضى لذاتها، بل حركتُ وفود مصر والكوفة والبصرة لغاية واحدة: كنتُ أريد استغلال الضعف السياسي لتنصيب عليّا إلهاً معبوداً في الأرض رغماً عنه! أردتُ صناعة ذلك الإله البشري بالقوة وغلو الأتباع. لكن علياً نسف مشروع الغلو، وظلت هندستي لتلك الفتنة حسرة ممتدة في وعيي ولست راضي عنها إلي الآن
كانت تتوالي العصور وأنا معها من عصر إلي عصر، ومن شخصية إلي شخصية إلي بلد، وفي العهد الأموي، عاينتُ صعود الحجاج بن يوسف الثقفي، وهناك اشتعلت في صدري غيرة قاتلة منه! لم يكن الحجاج مجرد قائد عسكري عابر، بل كان المخرج البديل الذي نافسني في عقر داري! لقد دخلنا معاً حلبة رقعة الشطرنج لنصنع عجل بني أمية الطاغي، وهناك هزمني بجفائه الفطري
كنتُ أريد صناعة صنم أموي ممسوك بخيوطي وسحري وذهبي المعمّر، لكن الحجاج اختزل المسافة ونسف خططي؛ استطاع بصرامته، وفصاحة لسانه، وقوة سيفه، أن يصيغ للحكم المرواني هالة قداسة مرعبة خضعت لها الرقاب دون حاجة لذهبي أو مكائدي . هو من نال الطاعة الحتمية والهيبة الحقيقية من رجاله، وجعل من الخلافة المروانية إلهاً يُعبد في الأرض، فكان له الفضل الأكبر في صناعة ذلك العجل السياسي .
وقفتُ أمام الحجاج قزماً غيوراً؛ لأن عبقريتي في صناعة العجول والأوثان هُزمت أمام قدرته على إخضاع الشعوب بسيفه ولسانه .
وحين عجزتُ عن منافسته، لا أخفيكم أنني قررتُ التسلل إلى جدران قصره لأتحكم به من الخلف، وأجعل من طغيانه عجلاً يخدم أهدافي الخفية. لكن المشيئة باغتتني ونسفت خطتي قبل أن تكتمل؛ إذ تدخل القدر وسلب الحجاج قوته فجأة بمرض الآكلة والجنون، فمات مرعوباً يصرخ من دماء سعيد بن جبير! ، لتنتهي حياته وتتحطم خطتي في السيطرة عليه وعلى حكم بني أمية كعجول يعبدها الناس من دون الله لكن بصنعي أنا لا احد غيري (على قولة المصريين انا زي الفريك مبحبش شريك)
وبعد انكسار نقلة الحجاج، تملكني الجنون المعرفي، فقررتُ أن أذهب إلى أقصى الحدود وجرّبتُ أن أتحدى المشيئة في عقر دارها وحركتها المقدسة؛ هندستُ حركة القرامطة! لم يكن هدفي سياسياً أو عسكرياً، بل كان فكرياً محضاً؛ أردتُ أن أثبت للبشر أن القداسة خرافة نصنعها نحن بذهبنا وسحرنا، وليست أمراً غيبياً ثابتاً من الإله.
نعم! أنا من أشار على القرامطة باقتحام مكة، وسفك دماء الحجاج، وأنا العقل الذي خطط لسرقة الحجر الأسود ونقله إلى الأحساء لقرابة اثنين وعشرين عاماً!
كنتُ أحاول أن أصرخ باطناً في وجه المشيئة الإلهية: 'انظري.. لقد انتزعتُ رمز قدسيتكِ الخالص ولم تسقط السماء!'. أردتُ إثبات أن القداسة صنيعتي أنا وليست أمراً فائقاً للطبيعة، لكن المشيئة خذلتني مجدداً؛ سحب التوفيق، ودبّ الوهن في القرامطة وأُجبروا على إعادة الحجر صاغرين خائبين، وتحطم عجلي القرمطي تحت أقدام القدر.
وطوال رحلتي الطويلة لبناء العجول والأوثان، تغلغلتُ في الخفاء، ولعبتُ بأقوى وأعتى أجهزة استخبارات العالم الكبرى، وحرّكتُ بيادقها في صالونات السياسة الدولية كقطع شطرنج رخيصة.. إلا جهازاً واحداً يمثل غصّتي الحارقة، وصدمتي التاريخية، ومذلتي الحديثة: الجهاز الاستخباري المصري!
هذا الجهاز، في كل جولة، وفي كل عصر، وفي كل مواجهة تاريخية، يغلبني! يفكك شفراتي، ويقرأ نقلات شطرنجي، ويقف كالجدار المصمت أمام نفوذي وذهبي وسامريتي المموّلة! كأن الجغرافيا تحرس سرها القديم، وكأن اليم الذي بلع فرعون في أرض مصر ما زال يمد هذا الجهاز بوعيٍ يقظ يبتلع كل عجل أحاول النفخ فيه.
حاولتُ توجيه الأحداث لكسر هذا الجدار في محطات مصيرية، لكن خططي المعلوماتية تحطمت دائماً أمام عبقرية التخطيط والخداع الاستراتيجي المصري، بما أني قررت بنفسي أن أجلس على كرسي الإعتراف ولست بحاجة للكذب، لقد بكيت قهراً في حرب أكتوبر 1973، حيث تبخرت أمامي خرائط السيطرة في لحظات.
وعندما قادني جنوني لاستنساخ خدعتي القديمة في فتنة عثمان، وجئتُ إلى العصر الحديث بسلاح لم أكن أحلم به؛ الخوارزميات والشبكات الافتراضية، هندستُ فوضى 'الربيع العربي' عبر السيرفرات التي أملكها لتوجيه وعي الشعوب نحو الهدم، وإسقاط الدول، وتثبيت أوثان حركية جديدة وعجول تدين لي بوجودها وقدسيتها. لكن ذات الجهاز المستعصي المصري وقف لي مجدداً بعقيدة صلبة لا تقبل الاختراق، ووعى خطتي الفتنوية، وأجهض مشروعي الرقمي كله في اللحظات الأخيرة، ليعيدني إلى مربعي الصغير خائباً مغلول اليدين.
وها أنا أقف في عتمة مخبئي، أتحسس لعنتي الأبدية (لا مِساس)، وأستمع إلى صوت أمواج اليم القديم يتداخل مع طنين السيرفرات، ليعلن نسف عجلي الأخير.. ذلك الذي كان أفضل عجل صنعته في حياتي منذ عهد موسى! لقد غيرت المشيئة قواعد اللعبة في آخر الطريق .
قه قهقهقه قااااهقهقة قهقهقة